ملازم حطّابي ونقيب بتاع أورنيش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ملازم حطّابي ونقيب بتاع أورنيش

قبل أن نقف على حكاية الملازم الحطّابي والنقيب بتاع الأورنيش والتي تستحضر بقوة المآسي التي يكابدها المفصولين تعسفياً، ليس من القوات المسلحة وحدها ولا الشرطة والقوات النظامية الأخرى فقط وإنما من كافة الوظائف والمهن، أجد أن من المناسب هنا ونحن في مقام هذه الذكرى الأسيفة أن نذكر للعبرة والاعتبار أن الرائد إبراهيم شمس الدين رحمه الله الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ انقلاب الإنقاذ وحتى وفاته في حادث الطائرة المؤسف، كان قد عمل "فوّالاً" يبيع الفول والطعمية عندما فصل من الجيش إبان عهد نميري لأسباب تراوحت بين السياسة والانقلابي، ولم ينقذه من هذا المصير إلا إعادته للجيش وإلحاقه بدفعته بعد الانتفاضة التي أطاحت نميري، ولعودته للجيش روايتان، إحداهما ينسب "فضلها" للسيد الصادق المهدي وأكدها لي شقيق الملازم عمار خالد الذي أحيل هو الآخر للمعاش وكان زميلاً وصديقاً لإبراهيم شمس الدين حتى في ضرّاء الرفت حيث تعاونا معاً في عمل "قدرة الفول" على أيام الضنك والمسغبة، وحين جاء أوان السرّاء لعمار الذي ينحدر من أسرة أنصارية ام درمانية تقطن حي العمدة لم يستأثر وحده بوساطة الصادق المهدي لإعادته إلى الخدمة العسكرية بل كان وفياً لعلاقة الإخوة والصداقة فاستصحب معه أخاه إبراهيم ليعودا سوياً، والرواية الأخرى أوردها الدكتور منصور خالد في الجزء الثاني من كتابه "النخبة السودانية وإدمان الفشل" وتحديداً في الفقرة التي تقرأ "ويذكر الناس للفريق – ويقصد الفريق عبد الرحمن سعيد – أمرين يثيران الاستغراب، الأول هو إعادته للرائد إبراهيم شمس الدين للخدمة وهو الضابط الوحيد الذي أُعيد لموقعه من مجموعة الضباط اليساريين التي كانت تتآمر لقلب نظام الحكم في نهاية عهد مايو، والثاني هو استجابته لطلب الدكتور عبد السلام صالح بضم الطبيب الطيب إبراهيم "الطيب سيخة" للسلاح الطبي بالرغم من التحفظ الأمني ضده من أجهزة الأمن المدنية والعسكرية"، والروايتان اللتان يبدو عليهما التناقض قد لا تكونان كذلك فربما كانت وساطة الصادق المهدي لإعادة الملازم عمار وصديقه إبراهيم شمس الدين قد تمت عن طريق الفريق عبد الرحمن سعيد...
أما الحكاية الحاضرة عن الملازم الحطّابي والنقيب بتاع الأورنيش فقد رواها الزميل صاحب "القلم الأزميل" الذي ينحت الكلمات ويسبر أغوار المعاني قرشي عوض في مواقفه السياسية اللاذعة بالزميلة "رأي الشعب"، وفحواها أن الملازم الصادق وهذا اسمه بعد أن أحيل للمعاش وهو في هذه الرتبة الصغيرة والسن الباكرة لم يجد ما يفعله غير أن يصبح "فحّامي" يبيع الفحم والحطب، وظل راضياً بهذه القسمة إلى أن أفحمه ذات يوم موقف عجيب وعصيب وذلك حين وجد أن حذاءه البالي قد تراكمت عليه الأوساخ واحتاج لتلميع فقصد الراكوبة القابعة إلى جواره وكان يشغلها شيخ كبير يعمل ماسحاً للأحذية، وعندما وقف أمامه كان الشيخ منكفئاً ومنهمكاً يعالج أحد الأحذية، وحين رفع رأسه يستطلع القادم، إذا بالصادق يقفز إلى الوراء خطوة من هول الصدمة، وبطريقة لا إرادية رفع يده مؤدياً التحية العسكرية ويقول "يا سعادتك دا شنو البتعمل فيهو دا"، لقد كان ماسح الأحذية العجوز هو قائده في السلاح الذي خدم فيه وكان وقتها برتبة النقيب… انتهت الحكاية ولم ولن تنتهي المآسي والفواجع والمظالم التي تسبب فيها الفصل التعسفي وستظل مسؤولية هؤلاء وأسرهم وصغارهم معلقة في رقاب ممن تسببوا فيها إلى يوم الدين ما لم تُزال جميع هذه المظالم … واللهم قد بلغت فأشهد...