حركات الإسلام السياسي تدخل النفق المظلم!!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حركات الإسلام السياسي تدخل النفق المظلم!!

وصلت الأوضاع في السودان إلى طريق مسدود بعد أن افقرت الفئات الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية الحاكمة الشعب ونهبت ثرواته حتي أصبح 95 % منه يعيش تحت خط الفقر، إضافة الى الفساد الذي يزكم الأنوف كما توضح تقارير المراجع العام ومنظمة الشفافية الدولية، كما دمرت الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية الإنتاج الصناعي والزراعي وفرطت في السيادة الوطنية، ووحدة الوطن، وصادرت الحقوق والحريات الأساسية، وتواصل حرب الإبادة والتصعيد العسكري في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، وتمارس أبشع أساليب التعذيب والتنكيل بالمعارضين السياسيين، كما حدث في انتفاضات المدن والشباب والطلاب الأخيرة، من قمع وحشي للمظاهرات، ومصادرة حرية الصحافة والتعبير، والتي استنكرتها كل القوى السياسية، وطالبت بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين والصحفيين وحرية التعبير والنشر. وتزداد حدة التناقض والصراع داخل السلطة والذي برز في مؤتمر الحركة الاسلامية الأخير، وما ورد في الأنباء عن محاولة انقلابية من عناصر داخل النظام الحاكم مما يوضح عمق الشرخ داخل النظام بعد مفاصلة عام 1999م والتي خرج فيها المؤتمر الشعبي من رحم النظام. وهذا يشير إلى تآكل النظام الذي أصبحت تحاصره الأزمات من كل جانب: الأزمة الاقتصادية والارتفاع الجنوني في الأسعار، وأزمة الحرب ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية، وتدهور العلاقة مع حكومة الجنوب بعد توقيع اتفاق أديس أبابا الأخير. ومع تفاقم أزمة النظام واحتدام الصراع داخل وخاصة في الفترة الأخيرة بسبب حالة البشير الصحية ومن يخلفه بعد العملية الثانية التي أجريت له في السعودية، فإن الانقلاب العسكري لن يحل أزمة البلاد وكذلك لا يجدي إطالة أمد النظام بتغييرات شكلية تعيد إنتاج نظام الإنقاذ الذي أصبح يشكل خطورة على وحدة ماتبقى من الوطن.
لا بديل غير وحدة كل أطراف المعارضة ومواصلة النضال الجماهيري من أجل اسقاط النظام، وانتزاع التحول الديمقراطي وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية وعقد المؤتمر الاقتصادي الذي يساهم في وقف التدهور، ووقف الحرب والحل الشامل والعادل لقضايا دارفور وجنوب النيل الازرق والشرق، وعقد المؤتمر الدستوري، وحل ماتبقى من القضايا العالقة مع دولة الجنوب(أبيي، ترسيم الحدود..الخ) وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.
* تمتد أزمة حكم أنظمة الأسلام السياسي لتشمل مصر التي شهدت انفجار الثورة ضد الغلاء وارتفاع الأسعار وافقار الشعب، ومن أجل توفير فرص العمل للعاطلين، وتوفير احتياجات الجماهير الأساسية في التعليم والصحة وبقية الخدمات الأساسية، ومن أجل تغييرات سياسية ودستورية تكفل الحقوق والحريات الأساسية والتداول الديمقراطي للسلطة ورفض التبعية وتأكيد استقلال مصر الوطني، وحققت الثورة المصرية انتصارها الأولي بسقوط الطاغية مبارك، ويواصل الشعب المصري نضاله ضد ديكتاتورية الأخوان المسلمين الذي يحاول أن يكرسها الرئيس مرسي الذي أصدر إعلاناً دستورياً يصادر حقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء، ويكرّس السلطة النتفيذية والتشريعية والقضائية في يد رئيس الجمهورية الشيء الذي وجد مقاومة واسعة من الشعب المصري وأحزابه وتنظيماته المعارضة لفاشية الأخوان المسلمين وحكم المرشد. وهذا يؤكد أن حركة الأخوان المسلمين لا يمكن أن تكون ديمقراطية والتي انكشف زيف ادعائها الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
* سبق أن اشرت بعد أن أحرزت حركة النهضة الاسلامية في تونس 41 % من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، أنها بطبيعة فكرها ومنهجها الذي يقوم علي ايديولوجية دينية استعلائية، لايمكن أن تكون ديمقراطية، لأن فاقد الشئ لا يعطيه، ولكنها شأن كل الحركات في التاريخ التي قامت علي ايديولوجيات دينية أو عنصرية أو فاشية قوّضت النظم الديمقراطية البرلمانية التي وصلت عن طريقها للسلطة، كما فعل هتلر، وأسهمت في تدمير ما أنجزته الحضارة البشرية من استنارة وعقلانية وتسامح واحترام الرأي الآخر، وتسببت في حروب مدمرة كان حصادها الملايين من البشر.
وحسب تجاربنا مع حركة الإسلام السياسي أنها غير جادة في الممارسة الحقيقية للنقد الذاتي والديمقراطية والانفتاح واحترام الرأي الآخر وأنها تراوغ بتلك الاجتهادات، وبهدف تطمين الرأي العام المستنير في تونس وأمريكا وحلفائها والتعاون معها دفاعاً عن مصالحها ومصالح الفئات الرأسمالية الطفيلية الحاكمة ومحاربة قوى الشيوعية واليسار والتقدم والاستنارة. وقد لعبت حركات الاسلام السياسي دوراً كبيراً في فترة الحرب الباردة في التحالف مع الغرب الرأسمالي وأنظمة الحكم الظلامية في المنطقة لإجهاض حركات التقدم والاستنارة في المنطقة، وفي الإطاحة بالتجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا. وقلب أنظمة الحكم الديمقراطية واستبدالها بأنظمة قهرية وشمولية كما حدث في السودان، وبعد انقلابها في السودان واصلت التعاون مع أمريكا حتى تم تمزيق البلاد بفصل جنوب السودان وتزوير الانتخابات، وإغراق البلاد في حروب أهلية تهدد بتمزيق ما تبقى من الوطن. وبالتالي قدمت نموذجاً سيئاً لحكم الإسلام السياسي كما حدث في تجارب طالبان وإيران، وحماس ..الخ، حيث تمت مصادرة الحريات والحقوق الأساسية باسم الدين والإسلام، وفرض أنظمة ظلامية أعادت البلاد الي محاكم التفتيش في العصور الوسطى.
ويصبح المحك الحقيقي هو ضمان استمرار الديمقراطية التي شكل انتصار ثورة الشعب التونسي والمصري خطوة مهمة نحوها. واستناداً على تجربتي الثورة التونسية والمصرية، فإن الحركة الجماهيرية راكمت تجربة كبيرة تؤهلها لهزيمة حركة الإسلام السياسي التي تشكل خطورة ماثلة علي الديمقراطية، لأن التجربة أكدت أن الفئات والأحزاب التي تعبر عن مصالح الفئات الرأسمالية الطفيلية التابعة وفي مقدمتها حركة الإسلام السياسي سرعان ما تضيق بالديمقراطية وحرية التعبير والنشر والعمل النقابي، والتجمع السلمي..الخ، وتفرض أنظمة ديكتاتورية مدنية أو عسكرية دفاعاً عن تلك المصالح ومصالح الدول الإمبريالية في المنطقة.
وأن قضية الحقوق والحريات لا يمكن اختزالها في عدم منع الحجاب والبكيني واستنساخ النموذج التركي، ولكن يجب استكمال الحقوق والحريات الديمقراطية، ومنجزات الدولة المدنية الديمقراطية التي انتزعتها الشعوب في نضالها ضد انظمة القهر والطغيان، بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تتمثل في توفير الاحتياجات الأساسية للشعوب مثل الحق في التنمية المتوازنة، وفي التعليم والصحة والخدمات الأساسية(كهرباء، مياه شرب نقية...الخ)، وتحقيق العدالة الاجتماعية بأفقها الاشتراكي والمساواة الفعلية بين المرأة والرجل، وضمان حق الأقليات القومية في ممارسة حقوقها الثقافية واللغوية والدينية، وعدم مصادرتها بإسم الدين.
لقد أنجزت ثورات تونس ومصر وليبيا الخطوة الأولى من مهامها وهي الاطاحة بالنظم الشمولية الفاسدة. وأمام شعوب المنطقة، التي أصبحت مرجلاً يغلي وبركانا يثور، مشوار طويل من أجل استكمال ذلك الانتصار بقيام أنظمة حكم ديمقراطية راسخة توفر العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. وهذا يتطلب أوسع جبهة ضد حركات الإسلام السياسي التي أكدت التجربة أنها تشكل خطراً حقيقياً على الديمقراطية، ومطيّة لتحقيق أهداف أمريكا وحلفائها الإقليميين والداخليين للسيطرة على موارد المنطقة، وإعادة الأنظمة الظلامية الديكتاتورية والفاسدة للحكم مرة أخرى باسم الدين.

تاج السر عثمان
alsirbabo@yahoo.co.uk