جدل سدّ النهضة في الخرطوم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدل سدّ النهضة في الخرطوم

منى عبد الفتاح




مرّةً أخرى تعثّرت المُفاوضات الخاصّة بسَدِّ النّهضة الإثيوبيّ، وفشلت مصر في إقناع السودان وإثيوبيا بإدخال البنك الدوليّ طرفاً في المُفاوضات. تأكّدت هذه النتيجة المتوقّعة بعد انتهاء فعاليات الاجتماع التاسع بشأن سدِّ النّهضة على مُستوى وزراء الخارجيّة والرَّي ورؤساء المُخابرات بكلّ من مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم الأسبوع الماضي. وبالرُّغم من أنّ الاجتماع أتى في إطار ما تمّ الاتفاق عليه بين رؤساء الدول الثلاث خلال اجتماعهم على هامش القمة الإفريقيّة في أديس أبابا في يناير/ كانون الثاني الماضي، من تذليل كافّة العقبات القائمة أمام المُفاوضات في إطار اللجنة الفنّية الثلاثيّة، إلّا أنّها لم تُسفر عن تقدُّمٍ يُذكر.

كان هناك خلافٌ مائيٌّ مكتومٌ بدأ مع بناء السدّ العالي عام 1964م، ذلك التّاريخ ترجع إليه أذهان النخبة السودانية على الدوام، حيث أخذ تحويل مجرى النيل إلى شكلَين، أولهما كان في الجزء الشّمالي من السدّ العالي عند تكوّن بحيرة ناصر في مصر والتي رافق تدفقها وعود بالرخاء والتنمية. أما الشكل الثاني فقد كان في الجزء الجنوبي عند نقطة تكوّن بحيرة النوبة في السودان والتي شهدت تهجير الآلاف من سكان النوبة من قراهم التي غرقت تحت البحيرة الممتدة شمالاً وجنوباً. وتعود الأذهان أيضاً إلى رفض التسليم والنّظر في الاتفاقيات المائية القديمة، خاصة تلك الاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان عام 1959م والتي أسفرت عن توزيع حصة المياه، حيث خُصص حوالي 55.5 مليار متر مكعب، منها أي الثلثين لمصر، و18.5 مليار متر مكعب أي الثلث للسودان.

بالإضافة للهزات السياسية التي عمّت دول حوض النيل وهي ما أثّرت على السياسات المائية الخاصة باقتسام الموارد المائية، حدث اختلال وارتجاج واضح في ميزان القوى المائية. ففي مقاله (سياسات مياه النيل) أرجع آني فريتاس من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي ذلك الارتجاج، إلى دخول عنصر جديد وخطير ضمن الجهات المانحة والممولة لمشاريع الاستفادة من مياه النيل، بالإضافة لعنصر معروف منذ سنوات: وهو «صندوق حوض النيل» المشترك بين «المبادرة» والبنك الدولي. وقد كانت آلية عمل الصندوق تفترض الموافقة الجماعية المسبقة من كل دول الحوض قبل الدّخول في عملية تمويل أي مشروع للاستفادة من مياه النيل، وذلك بهدف تدعيم البنية التحتية لأيٍّ من الدول الواقعة على ضفاف النيل. ولكن ومع ظهور ممولين جدد مثل الصين والهند ودول الخليج العربي، أصبح التقيّد بشرط الموافقة الاجماعية رهيناً بظروف أخرى. وأضاف آني فريتاس أنّ ما شجّع هذه الدول المتلقية على المضي قدماً في تحقيق طموحاتها التنموية الوطنيّة حتّى ولو تعارضت مع مصالح الدول الأخرى المُطلّة على النّهر، هو أنّ هؤلاء الممولين الجدد قد أتوا بشروط مرنة وغير محملة ببنود تعجيزية مثل تلك التي اشتهر بها البنك الدولي. وبهذا فقدت دول حوض النيل الحدّ الأدنى من التفاهم الذي كان بمثابة صمام الأمان وضامن الحماية من المُواجهة الصريحة.

تمثّل الخلافات السياسيّة بين الدول الثلاث عائقاً رئيساً أمام تفعيل أيّ حلٍّ مُرتقب لقضية سدّ النّهضة الإثيوبيّ، خاصة مع وجود تاريخ طويل من عدم الثّقة فيما بينها. وقد تعزّزت هذه الخلافات وأصبحت أكثر تعقيداً مع اتّخاذ كلّ منها نموذجاً مُختلفاً لكيان الدولة الرسمي وتعامله في علاقاته الدوليّة. فالسودان يحتفظ بنموذجه العسكريّ منذ أكثر من ربع قرن، ومصر ما زالت ترسف أيضاً في أغلال الديكتاتورية، أما إثيوبيا فهي غارقة في العنف الطائفيّ بسبب توزيع السلطات والصلاحيات على أساس عرقيّ، واستبعاد المُعارضة ومُحاربة وسائل الإعلام بالرُّغم من الديمقراطية الشكلية والمجيء برئيس وزراء جديد.

عجز الدول الثلاث عن الإتيان بحلّ جِذريّ، جعلها تستلف من أضابير التاريخ ما يمكن أن يمدّها بمبررات فانتازيّة. بنى نظام السيسي موقف مصر على أساس أحقيتها التاريخيّة كون أول سدّ في تاريخ البشريّة أُقيم منذ حوالي 4000 عام قبل الميلاد، وكان لغرض تحويل مجرى نهر النّيل في مصرَ من أجل إنشاء مدينة ممفيس عاصمة مصرَ في عصر الدولة القديمة والعاصمة الإداريّة والعسكريّة في زمن الدولة الحديثة. كما ارتبطت نشأة المدينة بقيام الوحدة بين دلتا النّيل والصّعيد أيّام الملك مينا.

أما موقف إثيوبيا والسودان فأخذ من النّزعة الإفريقيّة، بينما الشّعبان على قناعة قوية بأنّهما من نسل سيّدنا سُليمان والملكة بلقيس، وبالتالي يريان أدوارهما التاريخية المقدّسة بِناءً على هذه الخلفية. فالبلدان الثلاثة تتعاطى مع بعضها البعض لمُناقشة مُشكلة سدّ النهضة بِناءً على الجانب الأسطوريّ الذي يشكّل نظرتها للعالم الخارجيّ. أزمة سدّ النّهضة هذه المرّة لا تشبه أيّ أزمة سابقة، حيث لم يتمّ توصل الدول الثلاث إلى اتّفاق يمكن اعتمادُه.