(قوش) و(الشيوعي) .. تفكير خارج الصندوق

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
(قوش) و(الشيوعي) .. تفكير خارج الصندوق

محمد جمال قندول



اختراقات جديدة حققها مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول ركن مهندس صلاح قوش مساء الثلاثاء, بلقاء مثير مع قيادات الحزب الشيوعي المعارض, وبحسب ما جاء في بيان ممهور بالمكتب السياسي للشيوعي,

فقد ذكر ان لقاء تم بمباني جهاز الأمن والمخابرات بدعوة من مدير الجهاز وبمشاركة أبرز قيادات الحزب جاء في ثناياه (ان قوش طرح موقفا جديدا بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتخطيط عهد جديد بين الجهاز والقوى السياسية, وستكون هنالك اتاحة فرص للجميع للمشاركة في حل أزمة الوطن, معلنا لهم استمرار محاربة الفساد والأنشطة التخريبية في الاقتصاد, داعياً الشيوعي للحوار مع تأكيده انه ضد الاعتقالات) الى هنا انتهت أبرز الفقرات ، ويأتي هذا اللقاء في أجواء سياسية جديدة للمشهد السياسي, وبالتزامن مع إعلان رئيس الجمهورية الحرب على الفساد. كما ان الشيوعي يعتبر من الأحزاب السياسية التي قادت حراكا شعبيا بالشوارع لإسقاط النظام.
الحوار الوطني
وبرز الحزب الشيوعي, كأشد القوى السياسية مناصبة للعداء مع الحكومة والحزب الحاكم المؤتمر الوطني خلال السنوات الاخيرة, حيث ظل يرفض الحوار معها ووصولا الى الحوار الوطني الشامل الذي دعا له رئيس الجمهورية وضم أكثر من 120 حزباً وحركة مسلحة, تمخض عنه أعرض حكومة سياسية في تاريخ البلاد باسم حكومة الوفاق الوطني, كما أنها استطاعت ان تكسب الحكومة أراضي خارجية على المستوى الاقليمي والدولي’ بأن حظي الحوار الوطني بتأييد واسع, ولكن ظل الشيوعي يرفض أي مسار للتقارب مع الوطني والحوار لاعتبارات عدة يبررها تارة بانهم يريدون حواراً أشمل مع الاشارة الى أن الحزب فقد قوته وبريقه منذ وفاة عرابه محمد إبراهيم نقد, وشهد انشقاقات واسعة أضرت بقدرته على العمل التنظيمي, بجانب التراجع المخيف في عضويته بشكل خاص وتيار اليسار بشكل عام خلال الآونة الأخيرة.
وبالمقابل جاء صلاح عبد الله قوش مديراً للجهاز في ما وصف بالتغيير المفاجئ, ذلك التغيير الذي ما زال الكثير يفسر مغزاه حتى الآن وبين ليلة وضحاها أعلن رئيس الجمهورية بلا مقدمات إعادة الرجل الى رئاسة الجهاز مرة اخرى بعد فترة أولى يصفها المراقبون بأنها كانت ناجحة ثم أعقبها فترة المدير العام السابق الفريق اول ركن محمد عطا المولى والذي بالمقابل شهدت فترته استقرارا كبيرا داخل اروقة المؤسسة الأمنية على عدة جوانب ولا ينسى المراقبون أن فترة عطا شهدت أهم اختراق على مستوى العلاقات الدولية, وذلك بانهاء أطول فترة حصار اقتصادي متمثل برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية.
عودة قوش فتحت المجال واسعا لبداية عهد جديد على جميع الأصعدة وبالفعل بعد عودته مباشرة بدأت حرب ضروس بين الحكومة برئاسة رئيس الجمهورية المشير عمر حسن احمد البشير مع الفساد أو من أطلق عليهم الرئيس لقب (القطط السمان) من مخربي الاقتصاد الوطني، بجانب ذلك أطلق قوش سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين, كما ساهم بصورة لافتة في السيطرة على ارتفاع أسعار الدولار وذلك بإجراءات امنية مشددة قادها برئاسة رئيس الجمهورية.
بسط الحريات
ويرى المراقبون ان الخطوة تمثل فرصة نادرة ليمارس الحزب الشيوعي عمله السياسي بصورة منطقية بعيدا عن استفزاز النظام الذي درج عليه طيلة السنوات الماضية, بجانب انها تمثل سانحة طيبة لجهاز الأمن ان يقدم درسا في بسط الحريات السياسية وفق ما يتناسب مع أمن الدولة, كما ان اللقاء قد يشكل عتبة تفاوض بين الشيوعي والحكومة ليلحق بالحوار الوطني الذي أكد رئيس الجمهورية انه سيظل مفتوحا لكل من أراد.
ويشير المراقبون الى ان هذه الخطوة تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة ما بين الحكومة والحزب الشيوعي, لا سيما انها كانت في السابق تستند الى معارضة الثاني الصارخة للحكومة وتنازله عن نهجه المطالب بإسقاط النظام بالقوة , كما ان هذا اللقاء يمكن قراءته بانها تأتي في اطار تهيئة الأجواء السياسية لإلحاق الرافضين للحوار الوطني للانضمام اليه, وبالمقابل الخطوة ترسم مستقبلا جديدا تسوده روح الحوار والمكاشفة والشفافية في القضايا الوطنية وفي مقدمتها تحقيق السلام والتسوية السياسية وتفعيل منهج الحكم الرشيد وسيادة حكم القانون, من خلال التراضي والتوافق على ثوابت وطنية تخدم أمن واستقرار البلاد والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات.
وبالمقابل, يرى قيادي شيوعي فضل عدم ذكر اسمه- انه امتداد لمواصلة حوار كان قوش قد ابتدره مع القوى السياسية المختلفة في فترة سابقة, بل حتى اسس لخطواته إبان تقلده مستشارية الأمن القومي, ويسترسل محدثي قائلا : قوش يؤمن بان هذه الخطوة هي الحل الأمثل لان يلتقي السودانيون في مشتركات وطنية قومية بعيدا عن الانتماءات الحزبية او ما يمكن ان نطلق عليه السودان اولاً.
ويواصل إفادته ويقول ان الخطوة تمثل بداية انطلاق حوار عميق وجاد بين القوى السياسية المختلفة, ولم يستبعد ان يجتمع قوش بكل القوى السياسية وحتى المجموعات المسلحة.
ضربة معلم
القيادي بالإصلاح اسامة توفيق بدوره علق في معرض الطرح وقال لــ(الإنتباهة) ان اللقاء (ضربة معلم) بالنسبة لـ قوش على حد تعبيره ، ويواصل قائلا : هي رسالة لأحزاب تحالف قوى اللإجماع الوطني وكذلك السيد الصادق المهدي, مفادها اننا أعدنا الكرة الى ملعب المعارضة وهي ما أحدثت ربكة كبيرة بأوساط المعارضة, مما نتج عنه البيان المرتبك للحزب الشيوعي، وزاد توفيق بالقول : ما حدث ان هنالك صفقة تمت بين الجهاز والحزب الشيوعي بان يتخلى الشيوعي عن إسقاط النظام كشعار له, مقابل إطلاق سراح المعتقلين.
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح يرى ان الخطوة التي تمت تحسب لصالح اداء الفريق اول ركن صلاح قوش, والذي طبق عمليا مقولته (التفكير خارج الصندوق) وهي بلا شك خطوة وطنية تصب في صالح الحوار مع القوى السياسية المختلفة وتسهم كذلك في تليين المواقف خاصة للأحزاب الرافضة للحوار مع الحكومة على غرار الحزب الشيوعي ، ويواصل محدثي بان الشيوعي هو مكون سياسي كبير وحزب عريق وله تاريخ في العمل السياسي والنضالي ولا يمكن تجاوزه في مرحلة يجب ان نفرق فيها بين معارضة الحكومة والعمل ضد الدولة السودانية الذي تجمعنا جميعا, واذا ذهبت سيخسر الجميع والحوار هو أقصر الطرق للوصول الى تفاهمات ترضي جميع القوى السياسية خلال الفترة المقبلة.
انتخابات 2020
الشاخص للمشهد السياسي يرى ان الحكومة وحزبها الحاكم في موقف جيد مع القوى السياسية المختلفة سواء معارضة او مشاركة معها في الحكم, مقارنة بالسنوات الاولى لحكم الانقاذ لجهة ان الحكومة وعبر ورقة الحوار ضربت أكثر من عصفور بحجر واحد, واستطاعت ان تكسب رضا المجتمع الدولي, كما انها بسطت أجواء من الوفاق الداخلي بينها ومكونات العمل السياسي, بجانب انها اسست لأرضية قوية لتخوض انتخابات 2020 والتي يتوقع المراقبون انها ستكون الأشرس على مستوى تاريخ البلاد السياسي الحديث.
اضافة الى ذلك فان الحكومة على المستوى الخارجي, حققت انفتاحات مشهودة ولا ننسى زيارة الرئيس لـ روسيا وكذلك وعد الرئيس الروسي بزيارة السودان في العام الجاري, كما لا ننسى الزيارة التاريخية للرئيس التركي رجب اردوغان الى البلاد قبل أشهر قليلة, أضف الى ذلك ان امريكا أحد اكبر القوى الدولية التي كانت تناوئ الخرطوم على مدار سنوات خلت, رفعت العقوبات الاقنصادية ودخلت في حوار ينتظر ان تبدأ مرحلته الثانية برفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب على المستوى الإقليمي حققت البلاد علاقات وطيدة مع دول الشرق الأوسط, وكذلك استطاعت ان تحقق علاقات كبيرة مع دول الاتحاد الافريقي مقارنة بالسنوات الماضية, كما انها برزت كأحد اهم الأوراق بالمنطقة من خلال الاستقرار الذي تشهده البلاد وسط إقليم مضطرب بالحروبات, كلها مؤشرات تجعل الحكومة في موقف قوي, وبالمقابل يحتاج الحزب الشيوعي الى أن يفرض شخصية جديدة وأفكارا تتلاءم مع طبيعة الواقع الجديد للمشهد السياسي, وبالتالي عليه ان يدخل في حوار مع الحكومة والتخلي عن المعارضة المتشددة.