الحكمة الشعبية والحداثة: (إفريقيا نموذجاً)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحكمة الشعبية والحداثة: (إفريقيا نموذجاً)

الوليد آدم مادبو



بفضل المتغيرات الكونية طرأ تغيير مفاهيمي دفع بالحوكمة (أو ما يسمى تجاوزاً الحكم الراشد) من كونها أداة للتحكم إلى كونها إحكام لدورة اتخاذ القرار على المستوى الأفقي وتحاكم إلى جهة سيادية عليا على المستوى الرأسي. ربما يساعد تأسيس مستشارية توفر الخدمات الحصرية اللازمة في مجال الحكمانية في التعريف بخصائص النموذج الرواندي والأثيوبي والغاني والجنوب إفريقي، إلي أخره، الذي ازداد حيوية بفعل التحول الاقتصادي، السياسي الاجتماعي مما أفرز قيادات فكرية وحركية واعية بأهمية الإطار البيئي والمؤسسي الذي يتم فيه هذا التحول. إذ أن تحقيق نهضة كاملة في فترة وجيزة مثل هذه (الأمر الذي يعتبر في حد ذاته شبه خارقة) قد أضفى شرعية على النظم السياسية وقوى الإحساس بالمسؤولية المدنية والشعور بالهوية القومية.


تحتاج بلادنا إلي مراكز بحثية وطنية ينتدب إليه علماء ممارسين للعمل التخطيطي تساعد في شحذ الأفكار، تعمل علي تمحيصها وتساعد في التفاعل مع الأجيال الصاعدة والواعدة. لقد اندرجت اقسام التخطيط في السابق تحت وزارات الاقتصاد يوم كان الازدهار مرتبطا، بل مقتصرا علي الفعل الإنتاجي المادي. وكانت وسائل تحقيقه الموجهات السيادية، بل الفوقية التي تعرف مصلحة المواطنين وتدرك مالات فعلها! بنهاية الاتحاد السوفيتي انتهت حقبة التخطيط المركزي واتجه الكل نحو التخطيط اللامركزي الذي يعتمد علي النهج التجريبي – علي الأقل من الناحية النظرية – وشرعت بعض الدول في استحداث وزارات للتخطيط تعني بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية (يشمل ذلك التنمية الصحية والتعليمية والثقافي) والبيئية وتري ضرورة تطوير رؤي تكاملية تجعل الإنسان أداة النهضة ومِراسها العضوي والفاعل.

لقد امتلك بعض القادة في العالم الإفريقي من الأريحية ما سهل لهم ربط الحكمة الشعبية بالأسس الحداثوية لبناء الدولة، لذلك لابد من اعتماد مثل هذه النماذج الناجحة والمتميزة كمرجعية في مسعانا كباحثين لتطوير منهجية وفلسفة إدارية وسياسية تناي بنفسها عن الأسلوب الفضفاض الذي يتناول القضايا بأسلوب مبتسر لا يراعي الخصائص الثقافية والمجتمعية للدولة المعنية ويهمل الإرث التليد والفعل المجيد لرجالات قادوا بلادهم وطورا لحمته بإمكانيات بشرية ومالية ضئيلة جدا، مع أهمية تطوير حس نقدي قادر علي التميز وتفعيل ملكة قادرة علي الاقتباس وتجويد فعل المواءمة. فالمواءمة لا تعني بتطابق الأهداف – مثلاً، تطابق الأهداف الوطنية للتنمية مع أهداف الألفية – لفظياً إنما فلسفياً وفكريا.

مثل هذه النماذج الحديثة يجب أن تلقي الترويج على أساس أنها نماذج قد حققت بفعل الترتيبات الإدارية والسياسية السديدة – سيما الاستراتيجيات – وليست فقط الصدفة التاريخية ما تسمو إليه القيادات في زمن بزوغ "التحولات". اهم عناصر هذه النماذج القُطرية: احترام الإنسان لكونه إنسان، فهو غاية في حد ذاته وليست وسيلة لتحقيق أية أهداف أيديولوجية؛ التوافق بعيدا عن التنافس السلبي الذي يفضي إلى فرقة، نزاع وتشتت؛ الأمر الذي لم يكن ليتأتى لولا وجود شخصية محورية تتمتع بصدقية عالية ترعى مصالح الكل بعيداً عن الهرمية العرقية أو تلكم العقائدية التي تودي بوحدة الأمة وتؤدي إلى تصدع الكيان الأدبي والاجتماعي؛ القابلية للتطور وفق مقتضيات المرحلة ومحددات الهوية– وهذا أمر مهم وطلوب في حد ذاته لأن النخب لا بد أن تدرك أنها تعمل وفق محددات زمنية ومكانية تقتضي البعد عن التفكير المطلق.

لست مؤمناً بالديمقراطية الليبرالية كما إنني لا أري بديلاً لها خاصة إذا اتخذت تدابير تحمي آلياتها من المتوغلين والدغماءين، أعني أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية كقيمة لكنهم يقدسونها كألية. هل يمكن تطوير نموذجاً إفريقيٍ يرعي الخصائص الأتية: حكم شوري يحفظ حقوق الجميع؛ ينفذ سيادة القانون ويقدس حق المواطنة؛ ويتوق الي النظرة الإنسانية العميقة والراسخة؟ فهذه المبادئ تستوعب التراث الديني وغيره، لكنها تتجاوزهما الي روح النص وتوفي بميثاق البقاء مستعينة بإشراقات الروح وإبداعات الفعل البشري والبشري فقط. هل هذه علمانية أم عقلانية؟ لا أدري وحقيقة لا يهمني.

لترسيخ ثقافة الحوكمة أو الحكمانية (الاولي تنطبق علي المؤسسات والثانية علي الدويلات) وشيوع مفهومها في مختلف القطاعات لابد من تطبيق نظم الحوكمة والفلسفة الإدارية التي تتطلب التمعن في الاتي: التأرجح النظري وخطورة الإبقاء علي نظام إداري وسياسي عتيق لا يتماشى مع طبيعة المتغيرات الكونية الحالية؛ الانعتاق من القديم يتطلب النظر بعمق إلي الذات، استحضار قيمها الجمالية وشحذ همتها للحاق بالركب الإنساني من خلال التواصل الثقافي، السياسي والاجتماعي؛ الارتقاء بالدولة إلي أفق حضاري يؤهلها لاستدامة المستوي التقني المطلوب للمنافسة الإقليمية والدولية؛ الاستعاضة عن الرقابة الخارجية من خلال التفعيل لمنظومة رقابة داخلية تعول علي الذات الأخلاقية وتدلل علي أهمية المسئولية الجماعية في مواجهة الجشع، الأنانية واللامبالاة، وأخيراً توافق المؤسسات علي صيغة تشريعية يحتكمون فيها إلي مجالس شورية (علي المستوي المحلي والقومي) حال التعارض في المصالح أو التباين في وجهات النظر. متى ما ترسخت دعائم المشروع في دولة ما فيمكن التوسع ليشمل هذا النشاط المحيط الاقليمي، بيد أن الكثيرين في خضم الانشغال بالتحولات السياسية الطارئة قد يهمل فكرة تنمية القدرات الإدارية والمؤسسية المنوط بها إحداث تنمية مستدامة.